محمد محمد أبو موسى
514
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
النوع من التمثيل . وإلى ما له من ايحاء قوى ، وتأثير بالغ ، في التوجيه والتهذيب ، وينبه إلى الأثر القوى في تصوير المعاني في مشاهد متحركة ، أو بين أشخاص تتحاور وتتجادل والحقيقة المرادة وراء هذا التحاور ، يشف عنها كأنه غشاء رقيق ، وينبه إلى وجوب أن يكون في المشهد التمثيلى رمز يشير إلى الغرض الذي يدور حوله هذا المشهد ، يقول الزمخشري في قوله تعالى : « وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ . إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ ، خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ . إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ، قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ ، وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ ، وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ » « 136 » . يقول : « فان قلت : ما معنى ذكر النعجة ؟ قلت : كان تحاكمهم في نفسه تمثيلا ، ووجه التمثيل فيه أن مثلت قصة أوريا مع داود ، بقصة رجل له نعجة واحدة ، ولخليطه تسع وتسعون ، فأراد صاحبه تتمة المائة ، فطمع في نعجة خليطه ، وأراده على الخروج من ملكها اليه ، وحاجه في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده ، والدليل عليه قوله : « وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ » ، وانما خص هذه القصة لما فيها من الرمز إلى الغرض بذكر النعجة » « 137 » . ويقول : « فان قلت : لم جاءت على طريقة التمثيل والتعريض دون التصريح ؟ قلت : لكونها أبلغ في التوبيخ ، من قبل أن التأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض به كان أوقع في نفسه ، وأشد تمكنا من قلبه ، وأعظم أثرا فيه ، وأجلب لاحتشامه وحيائه ، وأدعى إلى التنبه على
--> ( 136 ) سورة ص : 21 - 24 ( 137 ) الكشاف ج 4 ص 64 .